ابن أبي الحديد

231

شرح نهج البلاغة

فخرجا متقلدين سيفيهما ، وخرج التميمي معهما ، فقالا له : إنا إذا أجرنا رجلا لم نمش أمامه ، فامش أمامنا ترمقك أبصارنا كي لا تختلس من خلفنا . فجعل التميمي يشق مكة حتى دخل المسجد ، فلما بصر به حرب قال : وإنك لهاهنا ! وسبق إليه فلطمه ، وصاح الزبير : ثكلتك أمك ! أتلطمه وقد أجرته ! فثنى عليه حرب فلطمه ثانية ، فانتضى الزبير سيفه ، فحمل على حرب بين يديه ، وسعى الزبير خلفه فلم يرجع عنه حتى هجم حرب على عبد المطلب داره ، فقال : ما شأنك ؟ قال : الزبير ، قال : اجلس ، وكفأ عليه إناء كان هاشم يهشم فيه الثريد ، واجتمع الناس ، وانضم بنو عبد المطلب إلى الزبير ، ووقفوا على باب أبيهم بأيديهم سيوفهم ، فأزر عبد المطلب حربا بإزار كان له ، ورداه برداء له طرفان ، وأخرجه إليهم ، فعلموا أن أباهم قد أجاره . وأما معنى قوله : " أم بأمية الذي ملكناه ! " ، فإن عبد المطلب راهن أمية بن عبد شمس على فرسين ، وجعل الخطر ممن سبقت فرسه مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر إماء واستعباد سنة ، وجز الناصية . فسبق فرس عبد المطلب فأخذ الخطر فقسمه في قريش ، وأراد جز ناصيته ، فقال : أو أفتدي منك باستعباد عشر سنين ! ففعل ، فكان أمية بعد في حشم عبد المطلب وعضاريطه ( 1 ) عشر سنين . وأما قوله : " أم بعبد شمس الذي كفلناه ! " فإن عبد شمس كان مملقا لا مال له ، فكان أخوه هاشم يكفله ويمونه إلى أن مات هاشم . وفي كتاب " الأغاني " لأبي الفرج أن معاوية قال لدغفل ( 2 ) النسابة : أرأيت عبد المطلب ؟ قال : نعم ، قال : كيف رأيته ؟ قال : رأيته رجلا نبيلا جميلا وضيئا ، كان على

--> ( 1 ) العضاريط : جمع عضرط ، وهو الرجل الذي يخدم بطعام بطنه . ( 2 ) في الأصول : " دعبل " ، تصحيف ، وصوابه من الأغاني .